الاثنين، 1 يونيو، 2009

الطراز القوطي الدولي..جسر بين العصور الوسطى وعصر النهضة

الطراز القوطي الدولي
حين أوشكت العصور الوسطى على نهايتها كانت فنونها قد بلغت ذروة تطوّرها، كما كانت تتناوبها آثار الواقعية الناشئة، فقد أتيح للتصوير بعد تحلّله من الصرامة والجمود أن ينهج نهج الاتجاهات الدنيوية الجديدة، لا سيما ما كان منها خاصّاً بالأوساط الأرستقراطية التي كانت لا تنفك موصولة بماضيها، ولم تجد النزعة التكلّفية التي كان إليها زمام التصوير بُدّاً من أن تنزل عن الكثير من غلوائها سعياً وراء الواقعية. وقد لاحظ مؤرّخو الفن منذ أكثر من نصف قرن أن عدداً كبيراً من التصاوير المؤرّخة ما بين عامي 1375 و 1425 تحمل تشابهاً شديداً بين بعضها البعض في جميع أنحاء أوروبا، بدءاً من إنجلترا إلى بوهيميا، ومن الأراضي الواطئة إلى إسبانيا وصقلية، وإن كانت الكثرة الغالبة منها تنتمي إلى مملكة فرنسا ودوقية برجنديا. وكيفما كان الموضوع المصوّر دينياً أم دنيوياً، فقد كانت التصاوير الجدارية الجصّيّة [الفرسكو] ومنمنمات المخطوطات والزجاج المعشّق والنسجيات المرسّمة والمطرّزات ولوحات الطلاء بالميناء تعكس جميعاً أسلوب التصوير المعاصر، وتترابط معاً بعلاقة وثيقة جعلتها على الرغم من انتسابها إلى عدد من الأنماط والمدارس المختلفة تحمل اتجاهاً في التصوير اصطلح مؤرخو الفن على تسميته "بالطراز القوطي الدولي" International Gothic Style. والهوية المميّزة لهذا الأسلوب هي الالتزام بقبس من التكلّف الذي يخضع الأشكال كافة - سواء أكانت أشكالاً آدمية أو نباتية أو صخوراً - لإيقاع أسلوب خطّي رشيق أنيق متأوّد ينهل رقّته من الروح الجمالية القوطية، بل حتى الموضوعات الدينية التي تشيع فيها النظرة التصوّفية نراها وقد غشّتها أحياناً مسحة غنائية دنيوية النكهة، إذ حاول الفنّان أن يحشد في لوحاته العديد من القصص الديني الذي تأخذ الأدوات والثياب والعادات فيه ملامح العصر الذي صوّرت فيه، مضفياً بهذا على الفن الديني صبغة إنسانية. كما صحب ذلك إسراف في الاتجاه إلى تصوير الموضوعات الدنيوية كالصيد والطراد والفلاحة ومناظر الحضر، فقدّم المصورون روائع أنيقة فيها إفراط في التكلّف يجاري مباهج الحياة اليومية.ولكي نصل إلى جذور هذه الحركة لا مناص من تتبّع تاريخ الأسلوب القوطي في تصاوير العصور الدنيوية، لا سيما فنون البلاطات في تلك الفترة. ومن المعروف أنه كان ثمّة إنتاج غزير للفن الدنيوي خلال العصر الكلاسيكي يشمل تصوير المناظر الطبيعية ووقائع الحياة اليومية والطبيعة الساكنة والموضوعات التاريخية والمعارك الحربية إلى غير ذلك، لجأ الفنان فيها إلى الإيهام بالواقعية من خلال استخدام الضوء والظل للإيحاء بالبروز والعمق، غير أن غزو برابرة الشمال سرعان ما قضى على هذه المناهج. وعلى الرغم من عدم احتفاء الدين المسيحي في أوروبا بالموضوعات الدنيوية فلم يتوقّف تصوير الموضوعات التاريخية قط، إذ استخدم التصوير لتدعيم سلطات الأباطرة سواء في الغرب أم في بيزنطة، وكذا للإعلاء من شأن الأسر الحاكمة في الماضي والحاضر. وفي مثل هذا النوع من التصوير شاعت "النزعة الطبيعية"(55) Naturalism النزعة الطبيعية هي التمثيل لمظاهر الطبيعة على صورة أقرب ما تكون من الواقع المرئي على الرغم من أن الموضوع قد يكون مثالياً أو خيالياً، وهي بهذا تختلف عن النزعة الواقعية Realism التي يلتزم فيها الفنان بما هو معاصر له. ويطلق هذا المصطلح على سائر المحاولات التي تقوم بها المدارس الفنية المختلفة للتعبير عن الطبيعة بعد تأملها تأملاً دقيقاً مستفيضاً دون الخروج عن إطارها. (م.م.م.ث). ، ووجدت لها متنفّساً جديداً في المراسم البيزنطية وأديرة عهد شارلمان في الوقت نفسه الذي دأب فيه اللاهوت المسيحي - الذي كان في صراع ضار ضد تراث الفكر الكلاسيكي - على تقويض قيم الحياة الدنيوية. ولقد كانت ثمّة "عهود نهضة" أيضاً في الفن البيزنطي بل وفي إمبراطورية شارلمان الشاسعة، تشهد بها الجهود الثقافية الدؤوبة لزعيمها والنشاط العالمي المتحرر من النزعات القومية في أديرتها. وإذا كان الزمن لم يحفظ لنا من الزخارف الدنيوية في قصور شارلمان شيئاً، إلا أننا نلمس صداها فيما جاء على ألسنة الأدباء من وصف لتلك اللوحات التي تصوّر أمجاده العسكرية، إذ كما كانت آداب الفروسية وأشعار التروبادور تشيد بنظام الإقطاع خلال العصر الرومانسكي، كذلك كانت اللوحات التي تزيّن القصور والقلاع سواء أكانت صوراً جدارية أم نسجيات مرسّمة تصف هي الأخرى المعارك الحربية وما إليها من صيد وطراد، فنسجية بايو (1080) لا تبعد كثيراً عن هذا الاتجاه إذ أن أسلوبها السردي القصصي المُترع حيوية، ثم عنايتها الشاملة بكل مظاهر الحياة المعاصرة، هذا وذاك يكشفان عمّا كانت تبلغه المبالاة بالحياة الواقعية من عمق.ومع نهاية القرن الثاني عشر طرأت على الصيغ التجريدية للنحت والتصوير الرومانسكي ومضة حياة، فما من شكّ في أن أفكار القدّيس برنار (1090 - 1153) والعقلانية النقدية لأبيلار (1079 - 1142) قد ساعدتا على تمهيد الطريق نحو تصوير الحياة اليومية. ولم يمض وقت طويل حتى فاجأنا القديس فرنسيس الأسيزي والقديس توما الأكويني (1225 - 1274) بزجّ الطبيعيات والدنيويات إلى المسيحية بدءاً بالنحت ثم بالتصوير، فمنذ القرن الثالث عشر زخرت حوافّ صفحات المخطوطات الإنجليزية والفرنسية بعالم من رسوم البشر والحيوان ذات روح فكاهية ساخرة موحية بقصص الحيوان الرامزة التي شاعت في العصور الوسطى خاصة "قصة الثعلب" الشهيرة Roman de Renard. ولا نزاع في أن هذا التعبير التصويري وذاك التعبير الأدبي نابعان من انصهار التقاليد الفرنسية والجرمانية في البوتقات الإنجليزية النورماندية وكذا بوتقات إقليم الفلاندر وحوض الراين، وكانت الظاهرة المهيمنة على هذا الاتجاه هي الحيوية المتدفّقة وقوة الخيال النابعة هي الأخرى من الخصائص النفسية لشعوب المنطقة، غير أنه ظهر في الوقت نفسه في أوروبا لون آخر من التصوير الدنيوي هو "أسلوب البلاط" الذي نشأ في فرنسا، وكان ابتكاراً كتب له الذيوع والانتشار والوفرة والعمر المديد. وكانت الملكية الفرنسية التي احتفظت بالكثير من تقاليد بلاط شارلمان متعجّلة في تبنّي المبادرات ذوات النفع السياسي أو التي تُعلي من زهوها وخيلائها، وهو ما حدث في عهد لويس التاسع [القديس لويس] في منتصف القرن الثالث عشر، إذ تكشف مخطوطات عهده عن شكل جديد غير معهود من أشكال الفن هو النقيض التام للفن الرومانسكي، ينبض بروح الأبّهة المتأنّقة والحيويّة المضطرمة التي تفصح عن احتياجات البلاط ومطالبه. فلأوّل مرّة في أوروبا بعد العصر الكلاسيكي يظهر قانون جديد لرسم الجسد الآدمي عمد الفنان إلى إطالته ليبدو رشيقاً، وتجسيمه بما يوحي بالحركة والقوة من وراء الأردية التي تنم خطوطها عن نهج حسّي، وبدت الإيماءات الأشدّ قُرباً من الحياة متساوقة مؤتلفة مع التكوين الفني والخلفيات المعمارية، فإذا نحولة الأجساد البشرية اللدنة تواكب الاندفاعة الرأسية للأعمدة والأبراج، وإذا الألوان تضطلع بدورها الزخرفي البحت، مما أفضى إلى توازن نموذجي بين ما هوَ مثالي وما هو واقعي، وبين الحسّ بالحياة وأسلوب التعبير عنها. وما لبثت بقيّة دول أوروبا أن انساقت في هذا الاتجاه وفي طليعتها الدول الواقعة شمالي الألب، وهكذا غدا "طراز البلاط الفرنسي" هو القاعدة التي قام عليها "الطراز الدولي" في التصوير القوطي، فأضفى معظم خصائصه على فن القرن الرابع عشر اللاحق ومستهل الخامس عشر. وقد صحب طراز البلاط هذا انتشار الموضوعات الدنيوية في كافة زخارف وتصاوير الحصون والقصور، التي وإن لم يبق لنا منها إلا أقل القليل، إلا أننا لا نلبث أن نلمس في الأوصاف الأدبية والشاعرية التي وصلتنا مدى ما بلغه الحماس نحو الفن الجديد. فيتحدّث كتاب "قصة الوردة" Roman de La Rose في الجزء الأخير منه الذي يرجع تاريخه إلى عام 1270 عن فن التصوير، ويمضي معدّداً موضوعاته المتنوّعة، مثل الفرسان المسلّحين لخوض القتال ممتطين صهوات الجياد المطهّمة ذات السروج الفاخرة فوق الجلول المزركشة بالرنوك الملوّنة بالأزرق والأصفر والأخضر، وكذا مختلف فنون الترويح عن النفس كالرقص الذي تشارك فيه غانيات حسناوات ترتدين أزياء بالغة الأناقة.واتجه النحت القوطي إلى إضفاء العاطفة الفيّاضة على الموضوعات التقليدية للفن المسيحي، الأمر الذي أفضى في نهاية القرن الثالث عشر إلى نوع جديد من الفن الديني صمّم خصّيصاً للتعبّد الفردي يشار إليه بالعبارة الألمانية Andachtsbild "أندكتسبيلد" وتعني تماثيل التعبّد، إذ كانت ألمانيا حريصة على تأدية دور قيادي في تنميته. وأبرز نمط لهذا الفن الديني وأكثره شيوعاً هو نمط العذراء الأسيانة Pieta [وهي كلمة إيطالية مشتقّة من كلمة Pietas اللاتينية، جذر كلمتي Pity بمعنى الشفقة أو الإشفاق وPiety بمعنى التقوى أو الورع]. وليس ثمّة ذكر لهذا المشهد على الإطلاق ضمن مشاهد آلام المسيح في الكتاب المقدّس، إذ هو مشهد ابتدع في زمان ومكان غير معروفين، باعتباره المقابل التراجيدي لمشهد العذراء والمسيح الطفل. وثمّة تمثال خشبي بمدينة بون (لوحة 96) يرجع إلى مطلع القرن الرابع عشر مطلي بألوان رفافة مبهرة، تتجلّى فيه الواقعية بوصفها وسيلة التعبير حيث تبدو على الوجوه سيماء الألم والأسى، وتغشّي الدماء جروح المسيح في مغالاة لافتة تكاد تصل إلى حدّ التشويه، أما الجسدان ففي نحافة الدُمى وقد خليا من الحيوية. وكان الغرض من مثل هذا التمثال وغيره هو الترهيب وإثارة المخاوف والشفقة في قلب المتأمّل حتى تتجاوب مشاعره مع مشاعر الحزن والأسى التي كابدتها مريم أم المسيح.ومنذ مطلع القرن الرابع عشر خطا التصوير الإيطالي بفضل جوتو ودوتشيو - كما رأينا - خطوة لا مثيل لها صوب النزعة "الطبيعية"، مما دفع الفنانين الإيطاليين إلى تذوّق النحت الكلاسيكي مثلما حدث لآل بيزانو - كما مرّ بنا - وكذا التصوير الكلاسيكي الذي كانت كثرة من نماذجه مبعثرة بين الأطلال المحيطة بهم، وإذا جوتو يخصّص مساحتين من صوره الجدارية بمصلى "الآرينا" للوحة تصوّر عقداً تتدلى منه ثريّا، وهو من الصيغ المتأغرقة القائمة على مخادعة البصر. كذلك تغلغلت نفس الاتجاهات في فنون مدينة سيينا عهد دوتشيو وتلميذه سيموني مارتيني، الذي استردّ في الموضوعات الكلاسيكية التي صوّرها النكهة الرعوية لتصاوير العصر الروماني، على نحو ما نرى في منمنمته بمخطوطة فرجيل المحفوظة بمكتبة الأمبروزيانا في ميلانو (لوحة 97) التي رسمها في عام 1340 لصديقه الأديب بترارك، ففلّاحوه ذوو الشعر الأشعث الذين يرمز بهم لقصائد الزراعيات [الفلاحة Georgics] والقصائد الرعوية Eclogues ينحدرون مباشرة من لوحات الفسيفساء الرومانية التي تمثل "الفصول الأربعة" بمتحف باردو في تونس، كما ينحدر البطل أينياس القوي المقتدر هو الآخر من لفيفة يوشع Joshua Roll البيزنطية من القرن العاشر على الرغم من تصفيفة شعره وأطواء عباءته القوطية. لقد أودع سيموني في هذه الصورة كل مهارته ومكنون رصيده الثقافي من تراث إيطاليا الكلاسيكي وما ارتشفه من الفن القوطي. وكان سيموني مارتيني قد تشبّع في صباه وهو في سيينا ونابلي بالأسلوب الفرنسي بأزيائه ذات الأطواء الإيقاعية وحوافّه المحوّطة المحدّدة المسرفة في انحناءاتها، فظفر أسلوبه بترحيب يفوق ما ظفر به أي فنان إيطالي آخر في فرنسا وبرجنديا. من أجل ذلك كلّه عدّ مؤرخو الفن هذه المنمنمة أولى مراحل تطور الأسلوب القوطي الطولي والبشير ب "كتاب الساعات الفاخر الترقين الذي أعدّ للدوق دي بري" للإخوة لمبروج. وحين شرع سيموني يمزج بين الأسلوب المتكلّف للبلاط الفرنسي وبين الواقعية(56) Realism هي نقل المظهر الطبيعي بأمانة دون إسراف في الدخول إلى التفاصيل الدقيقة، وتعدّ في الفن بصفة عامة على النقيض من المثالية Idealism أو هي بعبارة أخرى تمثيل الحياة اليومية كما هي على صورتها التي تبدو بها وليس في صورة الكمال الذي يتخيله الفنان عنها. (م.م.م.ث). الإيطالية الجديدة، جاعلاً هذا المزيج الفرنسي الإيطالي بمثابة "الفن الحديث" وقتئذ عُدّ عمله هذا المرحلة الثانية في تطوير الطراز القوطي الدولي.
ولقد تسلّل التأثير الإيطالي منذ مطلع القرن الرابع عشر إلى قلب مملكة فرنسا، حين بدأ الفنانون الإيطاليون يعملون لدى فيليب الطيّب ملك فرنسا، كما عرضت الصور الإيطالية للبيع بباريس منذ عام 1328. ومع أن الفنان جان بوسيل Jean Pucille قد حذا حذو جوتو ودوتشيو في رسم المنظور(57) Perspective هو تمثيل الأشياء ذات الأبعاد الثلاثة على سطح ذي بُعدين فتبدو وكأنها نافذة إلى العمق (م.م.م.ث). ، إلا أنه ظل قوطياً وفرنسياً قحّاً. وفي نهاية القرن الرابع عشر، وفي مراسم دوق دي بري اكتسبت أعماله شهرة واسعة، ويمكن استكناه لبّ أسلوبه مباشرة من أسلوب الإخوة لمبورج Limbourg، ولذا فليس من العدل إنكار الدور الهام الذي كان لبوسيل في تطوير الطراز الدولي، وهو تطعيم الأسلوب الفرنسي التقليدي بنهج جديد أورثه لجيل المصوّرين الذين كانوا يعملون حوالي عام 1400.ومن ناحية أخرى لم تكن للمصوّرين الفلمنكيين تقاليد قومية تحول بينهم وبين انتهاج أسلوب الفن الإيطالي، فإذا هم يحتذونه منذ تاريخ مبكر نظراً للصلات الوثيقة بين مجتمعهم البورجوازي وبين دويلات المدن الإيطالية، وكذا لما فطروا عليه من أخذ بالواقيعة. ومن هنا نجحوا في إرضاء رعاة الفن الفرنسيين في النصف الأول من القرن من خلال واقعيتهم المعاصرة التي أجّجها الفن الإيطالي في نفوسهم، وإن جنحت بهم قوطيّتهم وميول رعاتهم إلى الالتزام بالإطار الجمالي للفن الفرنسي.والراجح أن الفنانين الفلمنكيين الذين كانوا في خدمة دوق دي بري هم الذين وضعوا الأساس الفعلي للطراز الدولي القوطي، وذلك بجمعهم بين الأسلوب الفرنسي التقليدي والأسلوب الواقعي الإيطالي، بما يناسب تفسيرهم لفن التصوير. وابتداء من اللحظة التي ظهرت فيها التحف التصويرية للأستاذ بوسيكو Boucicaut Master (لوحة 98، 99) وللإخوة لمبورج أخذ الفن الفرنسي الفلمنكي يحدّد مسيرة الطراز الدولي. وقد تبدو هذه الإطلالة منقوصة لو تجاهلنا عنصراً آخر جديداً وافداً من إيطاليا، إذ توصّل مصورو سيينا وفلورنسا في عام 1340 متأثرين بنماذج التصوير الكلاسيكية التي بين أيديهم إلى إعادة اكتشاف أنماط التصوير الدنيوي، من طبيعة ساكنة(58) Still life رسم أو تصوير مجموعة من الأشياء الساكنة الهامدة كالثمار والأزهار والسمك أو الطير الميت والأدوات المنزلية إلى غير ذلك (م.م.م.ث). ومناظر طبيعية ومشاهد الحياة اليومية،(59) Genre Painting هي ما يُصوّر نقلاً عن الحياة اليومية في شتى ميادينها داخل البيوت أو خارجها (م.م.م.ث). فإذا تاديو جادي (1337) Taddeo Gaddi يصوّر مشهد طبيعة ساكنة ذا موضوع ديني بكنيسة سانتا كروتشي بفلورنسا، وفي الوقت نفسه رسم سيموني مارتيني صورته الإيضاحية الشديدة التأغرق لمخطوطة فرجيل، على حين تكشف لوحات أمبروزيو لورنزتي الجدارية في قصر البلدية عن صورة مدينة سيينا والريف المحيط بها في واقعية شديدة، حتى لقد تمثّلت فيها كل أنشطة المدينة وما حولها (لوحة 99، 100). ومن العسير إنكار أثر هذه اللوحات الجدارية التي كانت تُعرض على الناس في مبنى عام في واحدة من أهم المدن الإيطالية. ولا شك في أن مثل اللوحات هي التي أرهصت بما جاء منها من صور مخطوطات "كتب الساعات" أو "صلوات السواعي الفاخرة الترقين" للإخوة لمبورج وغيرهم إذ ما لبثت الكنيسة المسيحية أن اتبعت الأعراف الرومانية القديمة والتقاليد الدينية اليهودية فأرست قواعد محددة لتلاوة الصلوات والأوراد كما حددت مواقيت الصلاة والشعائر، وما لبث المؤمنون من عامة المسيحيين أن اتبعوا خطى الكنيسة فتطلعوا إلى أن تكون لهم بالمثل كتب صلاة خاصة بهم وأن يلزموا أنفسهم ببرامج الصلوات الكنسية. وهكذا أصبح العامة يقتنون كتب "الساعات" أو صلوات السواعي "Book of Hours" التي نأت أصلاً كأحد العناصر المستخدمة في طقوس الكنيسة ثم إذا هي تغدو ذات "قيمة مرتفعة"، إذ أصبحت بتنوع إخراجها الفني ترمز إلى المكانة الإجتماعية لمقتنيها بعد أن غدت تحفة ضمن مقتنيات المخطوطات الثمينة، يجتمع فيها الدين والفن والدنيا في وحدة متآلفة هي سرّ الجاذبية التي تتبدّى لنا اليوم، فذاعت شهرتها بوصفها أنفس المخطوطات المرقّنة خلال العصر القوطي. وبعد قرون تعرّضت فيها هذه المخطوطات للتدمير والتلف والضياع بقيت لنا قرابة ألف من كتب "الساعات" لا بالمتاحف ودور الكتب والمقتنيات الخالصة فحسب بل وفي الأسواق حيث يمكن للأثرياء من الهواة وجامعي التحف شراء مخطوطة كاملة أو بضع صفحات منها. ويبدأ كتاب الساعات بتقويم لبيان مواعيد الأعياد الدينية على مدار السنة، ويعقب هذا التقويم مختارات من الأناجيل الأربعة، وعادة ما يزيّن التقويم بصور تبيّن ما يختص به كل شهر من أعمال وأحداث فضلاً عما يصحبه من علامات البروج ببيان برج كل شهر. ويحتوي "كتاب الساعات" فضلاً عما يحتويه من منمنمات وترقينات على موضوعات دينية ثلاثة للصلوات والطقوس،(60) يحتوي كتاب الساعات [أو صلوات السواعي] Book of Hours فضلاً عما يحتويه من ترقين ومنمنمات على موضوعات ثلاثة: أولها نص أساسي والثاني ثانوي والثالث إضافي. والموضوع الأساسي مأخوذ من كتاب الفرض Breviary (الصلوات اليومية) ويشمل التقويم Calendar وصلوات للسيدة العذراء Hours of the Virgin ومزامير التوبة Penitenial Psalms والأوراد Litanies وصلوات للموتى Office of the Dead والصلوات للقديسين Suffrages of Saints. ويضم الموضوع الثاني مقاطع من الأناجيل الأربعة Sequences of the Gospels وتشمل آلام المسيح كما يرويها القديس يوحنا في إنجيله، وصلاتين خاصتين بالعذراء نالا شهرة واسعة، وإحداهما صلاة الطلبات Obsecro te (Iimplore thee) والثانية صلاة للسيدة العذراء المعصومة الطاهرة من الدنس O intemerata (O matchless Spirit)، فضلاً عن صلوات للصليب Hours of the Cross وللروح القدس وللثالوث المقدس Holy Trinity. أَما الموضوع الثالث فيتضمن إضافات هي منتخبات من المزامير ومن الصلوات المختلفة. (م.م.م.ث). وليس ثمة تشابه بين كتاب للساعات وآخر إلا بالنسبة للتقويم الذي يتصدّر الكتاب محدّداً أيام أعياد الكنيسة وأعياد القديسين. ونبدأ مداخل الفصول بتدبيجات بألوان مختلفة من الذهبي والأحمر والأزرق، التي كانت بالإضافة إلى إسباغ التألّق على الصفحات لها هدف وظيفي، حيث تكتب الأعياد الهامة كعيد ميلاد المسيح وعيد الفصح بالمداد الذهبي والأحمر، على حين تكتب أعياد القديسين المحليين بالمداد الأزرق. وكان الغرض الأساس من كتب "الساعات" هو تزويد المؤمنين من غير رجال الدين بدءاً من الملوك والأمراء وانتهاء بسكان المدن الأثرياء هم وزوجاتهم بكتب صلوات شخصية. وكان اقتناء كتاب من هذه الكتب أمنية كل المتعلمين وبعض الأميين، فإلى جانب تلك النسخ الثمينة بالغة الروعة أنيقة الزخارف والرسوم كانت ثمّة ألوف من النسخ الهيّنة الزخارف والرسوم لها الأثر الأول في إشاعة المساواة بين المسيحيين على أوسع نطاق، وإن تكن قد اندثرت جميعاً، وهكذا كانت كتب صلوات السواعي هي النموذج الأمثل للجمع بين العقلانية المسيحية والورع الديني الشعبي. وقد ذهب الحرص على اقتناء هذه الكتب إلى الحد الذي شاع معه أنها تمثّل غرور صاحبها أكثر مما تمثّل ورعه وتقواه، وإن يكن أولى بنا أن نحذر الأخذ بمثل هذا الزعم، لأن الورع صلة خفيّة بين الإنسان وربّه. ولقد جرّ استخدام كتب الساعات على نطاق واسع إلى اهترائها، فتآكلت قشور أغلفتها الجلدية وضاعت صفحات التقويم الاستهلالية وتلطّخت أطراف صفحاتها بأثر البصمات وبقع الشمع المتساقط، كما تكشف مطالعة الوصايا وقوائم حصر التركات عن أن كتب الساعات كانت تعتبر من أنفس المقتنيات وأهمها، فلقد كانت تكاليف إعدادها الباهظة لها أثرها في ارتفاع أثمانها. وكانت أكثر المناسبات ملاءمة للحصول على كتاب "الساعات" هو الزفاف حين يمنح الزوج عروسه نسخة منه. كذلك كانت هذه الكتب تستخدم علاجاً للشفاء من الأمراض إلى جانب وظيفتها الروحانية والفنية والترويحية، فأصبح اقتناء بعض هذه الكتب مقصوراً على طلب الشفاء من مرض ما بعد أن تكون قد شاعت قدرة أحد القديسين المذكورين فيها على شفاء هذا المرض.وأشهر كتب الساعات هو "كتاب صلوات السواعي الفاخر الترقين الذي أعدّ خصّيصاً لجون دوق ده بري" Tres Riches Heures duc Berry، ويشكّل بحقّ تحفة فنية في دنيا المخطوطات المرقّنة، صوّره بول لمبروج Pol Limbourg وشقيقاه، وكانوا قد انكبّوا على إنجازه منذ عام 1413، وعاجلت المنيّة دوق ده بري في عام 1460 قبل فراغهم منه. وجاء في قائمة حصر تركة الدوق في وصف هذا المخطوطة النادرة: "إنه كتاب لصلوات السواعي شديد الفخامة يضم ترقينات ومنمنمات وصوراً وزخارف غاية في الروعة نفّذها بول وأخواه"، وقد توفّي الإخوة الثلاثة في نفس السنة فجأة في حادث أو ربّما إثر وباء، وكانوا جميعاً في العشرينات من عمرهم.وتحفل المخطوطة بمشاهد تشغل صفحات كاملة لأفراد الحاشية من سيّدات ورجال في حفلاتهم وولائمهم وفي صيدهم وطرادهم، وللفلاحين وهم يكدحون في حقولهم المتاخمة للقلاع والحصون. وتجلو لنا هذه المشاهد المتنوّعة مدى اختلاف اهتمامات البلاط باختلاف المواسم على مدى العام، كما تكشف عن تفاصيل الحياة اليومية لبلاط الدوق ده بري من شهر إلى آخر. وفي محاولة من المصوّرين لالتزام المقاييس والنسب والأحجام رسموا الحقول وهي تضيق كلما أوغلت عمقاً والشخوص وهم يتضاءلون حجماً كلّما ابتعدوا ونأوا (لوحات 101، 102، 103). ولقد شُغل الفنانون في كافة أنحاء أوروبا بهذه الصور التفصيلية الأنيقة التي تجمع مباهج فيها غلو وإسراف يرضي الأمراء والموسرين، كما كانت مجالاً لإشباع رغبات الفنّانين وطموحهم، فإذا هذه الحقبة تشهد ازدهاراً شديداً في فن التصوير حيث استخدم الفنانون فرشاة دقيقة مدبّبة وأصباغاً برّاقة تدخل في تركيبها الأحجار المسحوقة والأصداف والمعادن وثمار التوت. وكانوا مطلقي الأيدي في رسم الأطراف الرشيقة والملامح الوسيمة والثياب الأنيقة المزوّقة بالحليات الملونة، كما مضوا يتلمّسون طريقهم نحو الإيهام بالواقع في أنحاء الصورة، غير أن هؤلاء الفنانين الذين كانوا يجهلون كل ما له صلة بالتصوير الكلاسيكي لم يحاولوا البتّة تحقيق هذا الإيهام على غرار الفنانين الإغريق والرومان من خلال لمسات الفرشاة الغائمة والظلال المائعة، لكنّهم شغلوا بتصوير المناظر الطبيعية ممتزجة بتصاوير الشخوص يشكلونها على غرار لوحات الفسيفساء.وتعدّ فريسكات لورنزتي أهم نماذج الفن الدنيوي في إيطاليا خلال القرن الرابع عشر، كما أن واقعيتها تفوق أعظم ما قدّمته التصاوير شمالي الألب في هذا المجال، ومردّ ذلك إلى أن لورنزتي قصد أن يلتقط جوهر الأشياء الواقعية متجنّباً التكلّف المفرط للفن القوطي.وقد أثمرت واقعية لورنزتي المنطقية ظهور فنّانين يحذون حذوه في شمال إيطاليا بلومبارديا والبندقية وغيرهما، فقدّم مصورو المنمنمات اللومبارديون مشاهد ريفية ذات واقعية مذهلة، وصوّر غيرهم الظلال المنسابة، وتناول آخرون الوجوه بأسلوب النحت إلى أن انتهى الأمر بهذا الاتجاه إلى تصوير مشاهد ذات منظور واقعي نابضة بالحياة تبزّ أيّة تصاوير أوروبية تسبق الفنان روبرت كامبين Robert Campin المعروف باسم "أستاذ فليمال" والأخوين فان إيك Van Eyck كما سنرى. كذلك قدّم بعض المصوّرين اللومبارديين دراسات رائعة لصور الحيوان تُعدّ إرهاصة بأعمال الإخوة لمبورج ومن خلفهم من كبار المصورين الفلمنكيين برؤاهم الجديدة للعالم من حولهم، حيث تتجاوز المشاهد داخل الدور أو في الخلاء - لكل من "أستاذ بوسيكو" والإخوة لمبورج - تصاوير المصورين اللومبارديين في مجالي تمثيل المنظور والبيئة المعاصرة وقتذاك، ومن هنا كان التصوير "الفرنسي - الفلمنكي" حوالي عام 1400 شديد الصلة بالفن اللومباردي. وتذكر الكثير من قوائم حصر المجموعات الفنية الفرنسية بين الحين والحين أعمالاً لومباردية، فضلاً عن الصلات السياسية والعائلية الوثيقة بين آل فيسكونتي Visconti حكام ميلانو والأمراء الفرنسيين وكذا لم تكن الصلات الفنية بينهم أقلّ إحكاماً وقرباً. وكان أكثر ما شدّ إعجاب المصوّرين الإيطاليين في أعمال مصوري الشمال هو أسلوب الخطوط المنحنية curvilinear ونماذج المسنّين المُلتحين والعذراوات النحيلات والثياب البرجندية الباذخة والأناقة المهندمة، وفي إيجاز كل غرائب العالم العجيب المصورة تصويراً متنوعاً خلاباً والذي كان يعدّ في جنوبي الألب نموذجاً قوطياً إكزوتياً(61) Exoticism الشغف بكل غريب غير مألوف وافد من بلد ناء، وذلك لما يتصف به من استغراب لكل ما هو مجهول يجذب النفوس، أو هو التعلّق بكل ما يمتّ للخيال الرومانسي المستجلب بسبب. (م.م.م.ث). غنائياً. وهو أيضاً ما يفسّر ولع مصوري شمال إيطاليا بالتشكيلات الخطّية(62) linear التشكيل الفني الذي يعتمد في تأثيره على المُشاهد على الأشكال المكونة بالخطوط أكثر من اعتماده على الكتل اللونية والتظليل (م.م.م.ث). والسرد القصصي المصور، فبلغ الطراز الدولي في شمال إيطاليا أوجه في المغالاة في الزخرفة والخيال حتى غدت خطوطه متحوّية متموّجة متجاورة كألسنة السعير، ومن هنا جاء وصفها بالمتوهّجة Flamboyante. وقد امتدّت هذه المرحلة طويلاً لا سيما على يد الفنان بيزانللو Pisanello الذي قضى نحبه عام 1455، غير أن انشغال الفنانين المتّصل بملء ما يقع بين أيديهم من أسطح مستوية وشغفهم بالتشكيلات الخطية لم يرق بتصاوير هذه المنطقة على الرغم من واقعية تفاصيلها إلى المستوى نفسه الذي كان سائداً في بقيّة أنحاء إيطاليا حيث كان يعمل مازاتشيو وأوتشيللو. ومع ذلك حافظت هذه المرحلة على ازدهارها في بلاطات أمراء الأقاليم حيث كانت شهرة بلاطات دوق ده بري ودوق برجنديا والملك شارل السادس ما تزال ذائعة طاغية، فقد كانت هي المنبع الذي فاض منه الأسلوب الفلمنكي فعم أوروبا بأسرها حوالي عام 1390. وبهذا تكون خصائص هذا الأسلوب قد نشأت في فرنسا، وكانت أهم منابعه وأصوله مان سور إيفر Mehun sor Yevre وبورج Bourges حيث أنشأ جون دوق ده بري مرسماً خصيصاً للمخطوطات المرقّنة، وحيث عمل الفنان جاكمار ده هسدان Jacquemart do Hesdin (لوحة 104)، وديجون في المرسم الذي أنشأه فيليب الجسور، وأخيراً في باريس نفسها حيث ظهر مصورون محترفون خالصو النسب الفرنسي وإن كان إلى جوارهم أيضاً فنانون فلمنكيون على مستوى رفيع. على أنه لم يكتب للمنمنمات الباريسية وجودها الذاتي غير متأثرة بغيرها إلا بعد عام 1400 على يد "أستاذ بوسيكو". وقد اصطبغ الأسلوب "الفرنسي - الفلمنكي" في كل دولة أوروبية بصبغة قومية، ففي لومبارديا حمل الطابع القوطي كما قدّمت، وشهدت بوهيميا نشاطاً تصويرياً عظيماً متأثّرةً بِالأسلوب "الفرنسي - الفلمنكي" في منتصف القرن الرابع عشر حيث تزاوجت الاتجاهات الإيطالية الحديثة بالتأثيرات الجرمانية وبالطراز القوطي الأصيل، وكانت رعاية الفن في النمسا تتولّاها الأسقفيات والأديرة أكثر من البلاطات باستثناء فيينا، وإن كان الأسلوب الدولي أقلّ انتشاراً. وأغلب الظن أن الأسلوب "الفرنسي - الفلمنكي" قد وصل إلى النمسا وبوهيميا عبر العلاقات الوثيقة بين البلاطات، كما ذاع في حوض الراين لمتاخمته للأراضي الواطئة ولفرنسا على السواء. وسرعان ما حاكت الطبقة الأرستقراطية والطبقة الوسطى الناشئة التي غدا لها نفوذها وتأثيرها طراز بلاطات الأمراء الذي كان المركز الفني بمدينة ديجون مصدر إشعاعه وانتشاره. وهنا في ديجون بدأت اللوحات المصوّرة على الحوامل [أعنى اللوحات القائمة بذاتها] - مثلما كان الحال في المدن الإيطالية - تحلّ محل المنمنمات فأخذت هي ولوحات الهياكل التي كانت تزيّن الدور والكنائس تشيع بين الناس ويتقبّلونها بقبول حسن مع مستهل القرن الخامس عشر. أما فنانو الراين فقد مزجوا بين أناقة الطراز القوطي وبين مرونة ورقّة "الأسلوب الهادئ" Soft style ذي التوافقات الرقيقة والجمال اللطيف والشخوص الوديعة، وكان أهم فنّانيه من مدرسة كولونيا، فأدّت رهافة هذا الأسلوب إلى ابتداع أعمال فنية لها رقّة الأحلام. وأعقب ذلك مدرسة الواقعية الحادة التي سمّيت مدرسة "الأسلوب الصارم" Hard style بزعامة كونراد فيتز Konrad Witz والتي تتجلّى فيها المشاهد أشد ما تكون وضوحاً وإبانة.
وفي إنجلترا حيث كانت ثمّة ندرة ملحوظة للوحات المصورة القائمة بذاتها تسترعينا لوحة ولتون ذات الضلفتين(63) Diptych لوحة ثنائية مصوّرة ذات ضلفتين أو مصراعين قابلتين للطيّ مفصلياً (م.م.م.ث). (1396) كأحد أكثر اللوحات المصوّرة إثارة للجدل والخلاف بروعتها الخارقة للعادة، فنرى مصوّرها يتخم سطح لوحته الخشبية بالتذهيب لتبدو في أبّهة الأيقونات البيزنطية، كما تلفتنا عنايته البالغة والدقيقة بنقل تفاصيل الوجوه والوضعات، ويتجلّى ذوقه الإنجليزي في رسم شخوصه على وجه بالغ الأناقة (لوحة 105)، فنرى فوق إحدى الضلفتين الملك ريتشارد الثاني يقرّبه إلى العذارء والمسيح الطفل القدّيسان الشفيعان له، ونرى فوق الضلفة اليسرى الملك راكعاً من ورائه يوحنا المعمدان والقديس إدوارد المعترف والقديس إدموند الملك الشهيد.أَما فنانو الأراضي الواطئة الذين تخلّفوا قليلاً لبُعدهم عن مراكز الحضارة فهم وإن كانوا مفعمين بحيوية دافقة تشوبها بعض الخشونة، فلم يعرفوا روائع الفنانين الفلمنكيين بفرنسا إلا من خلال بعض الأصداء التي وصلت إليهم من هناك وعبر بلاطات الأمراء في بلادهم، وهكذا نشأت المدارس الفنية في جلدرلاند Gelderland وليييج وماسترخت حيث ابتُدعت تركيبة مؤلّفة من العناصر الفلمنكية وعناصر حوض الراين. وتلك هي المرحلة الأخيرة للطراز الهولندي الدولي المرهصة بفن فان إيك. وفي الوقت نفسه كان فنانو المراكز الفنية التي أقامتها الطبقة الوسطى في أوترخت وبروج وجنت Ghent يستخدمون الأسلوب الفرنسي بلا حرج أو صعوبة. ومنذ نهاية القرن الرابع عشر ظهر تأثير الأسلوب "الفرنسي - الفلمنكي" في إسبانيا، فلقد كان إقليم قطالونيا شديد الصلة بفرنسا عن طريق تزاوج الأسر المالكة، فضلاً عن تأثير المركز الفني الفرنسي الموجود بأفنيون المجاورة، وكانت ثمّة شبكة من الطرق التجارية عبر البحر المتوسط تربط برشلونه وفالنسيا بمرسيليا وجنوا ونابلي وباليرمو والبندقية، نشأت معها إلى جانب العلاقات التجارية صلات فنية، وهو ما يفسّر التشابه بين تصاوير جنوب إيطاليا وإسبانيا وقتذاك. وظل "الطراز الدولي" مزدهراً في معظم هذه البلاد في الوقت الذي أخذ يضمحل فيه بفرنسا حيث كان لحروب المائة عام أثرها المدمّر على فن التصوير، ومع ذلك ارتقى "أستاذ روهان" Rohan Master بفن التصوير إلى أعلى المراتب، فلقد استطاع أن يرمز بخطوطه الأرابيسكية(64) Arabesque الخط الرشيق المتأوّد المتسق المنغّم (م.م.م.ث). إلى معان صوفية تباين الأساليب التكلّفية الشائعة (لوحة 106) وكانت منزلة هذا الفنان في تاريخ الفن القوطي الدولي تشبه منزلة الفنان إلجريكو الذي ذاع صيته في ختام النزعة التكلفية الباروكية إبّان عصر النهضة، فقد أضفت ومضات بصيرته عمقاً إنسانياً بالغاً على فن كان مقصوراً على الانفعالات الدنيوية الهيّنة.
ويرجع سبب انبثاق هذا الطراز الفنّي من فرنسا إلى بقية أنحاء أوروبا إلى أن فرنسا وبرجنديا تقعان على الطريق التي يعبر بهما إلى أهم مركزين اقتصاديين في أوروبا وهما شمال إيطاليا والأراضى الواطئة. وعلى حين كانت فرنسا تتمتع بالتفوّق الفكري لأنها كانت تضم جامعة باريس العلمانية، كانت برجنديا تمثّل نموذجاً لحضارة فرنسية - فلمنكية أفادت الكثير من الروح التجريبية للطبقة الوسطى الهولندية. ونتيجة لكون الحضارة الفرنسية - الفلمنكية حضارة مختلطة فقد أصبح ميسوراً أن يتقبّلها كل من اللاتين والجرمان، فعلى حين أعجب اللاتين بأسلوبها التكلّفي الأنيق الذي طوّع الطبيعة، أعجب الجرمان بواقعيّتها وروحها الصوفية، هذا إلى أن كلّاً من فرنسا وبرجنديا كان لها بلاطها الملكي الوقور.وبهذا كان المجتمع الأرستقراطي الأوربي في نهاية القرن الرابع عشر أسرة دولية واحدة لها فروع في شتّى أنحاء القارة، كما دخل الفنانون الذين تحرّر معظمهم من قيود النقابات المهنية في خدمة الأمراء يتنقلون في سائر أرجاء أوروبا من بلاط إلى آخر، ومن هنا كان من المحتم أن تفضي هذه العوامل إلى فن موحّد متجانس. وهكذا قدّمت فرنسا التي انبعثت منها العمارة القوطية وآداب بروفنسا Provencal بلغة (لانج دوك Langue dOc) موسيقى (الفن الجديدانظر "الزمن ونسيج النغم. من نشيد أبوللو إلى تورانجاليلا" لصاحب هذه الدراسة. الهيئة المصرية العامة للكتاب. الطبعة الثانية 1996. ) Ars Nova على أيدى فيليب دي فيتري وجيوم ده ماشو إلى "عصر الفروسية" فناً طال التشوّق إليه هو "فن تصوير البلاط". ومع اضمحلال عصر الفروسية في نهاية القرن الرابع عشر، بدأت طبقة الفروسية تنظر نظرة نافذة ناقدة لأسلوب الحياة الذي كانت تنتهجه، وبعد أن اطمأنت شيئاً من الاطمئنان نزلت إلى الطبقة الوسطى وتحالفت معها درءاً لنشوب الثورات في أوروبا، لكنها مع ذلك لم يهدأ لها بال إزاء الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الجديدة. وعلى الرغم من كافة هذه الاعتبارات التي تهدّد كيانها ظلت سادرة في تقاليدها وأهوائها وعاداتها، منجذبة إلى الخيال في مجالات الشعر والتصوير والموسيقى التي استخدمتها للإعلاء من شأن أسلوب حياة الفروسية. وما لبثت بوليفونية "الفن الجديد" الموسيقى - إلى جوار التصوير - التي برع فيها جيوم ده ماشو أن غدت أبلغ تعبير عن هذا الاتجاه، وسرعان ما ظهرت إثرها القصائد الشعرية المتكلّفة هي الأخرى. وهكذا عبّر الشاعر والموسيقي والمصوّر بما يبدعون عن رغبات النبلاء والفرسان وميولهم، كما عبّروا عن أحلام سيّدات القصور اللاتي شببن على قصص شعراء التروفير المتجوّلين(65) Trouvere الاسم الذي كان يُطلق في العصور الوسطى على الشاعر المتجول بشمال فرنسا. وكانت موضوعات التروفير تتراوح بين العشق الرفيع على نحو ما كان يفعله التروبادور في جنوب فرنسا وبين أساطير الفروسية والبطولة (معجم مصطلحات الأدب. د. مجدي وهبه). في شمال فرنسا بلغة لانج دوي (Langue d oil) والتى غدت نواة للغة الفرنسية الحديثة، والتى كانت تعرض للعشق الرفيع ولأساطير البطولة والفروسية، فلا تقع عيونهن إلا على ما تتيحه لهن تلك الإطلالة من بروجهن الشاهقة. وقد يكون من العسر بمكان اليوم تقويم ما كان لنساء القصور من أثر في مجتمع العصور الوسطى وفى أخيلة الرجال وعواطفهم ومثلهم العليا، لا سيما فيما يتصل بطبقة النبلاء، فكانت المرأة هي التي تتولى تنشئة الصبية حتى يبلغوا سن الخُلُم. ومنذ القرن الحادى عشر كان ثلاثة أرباع الشعر الدنيوي والموسيقي تؤلّف من أجل النساء، وإذا بالتصوير أيضاً يلحق بهما في هذا المجال. كذلك شاع الميل نحو الشعر الرعوي والتغنّي بالبساطة الريفية المترعة بالثراء المترف وبلمسة متوارية من الإثارة الجنسية، وهو ما يجعل ثمّة تشابهاً بين مجتمع القرن الرابع عشر وفنّه من ناحية ومجتمع طراز الروكوكو الفنّي خلال القرن الثامن عشر من ناحية أخرى. غير أن هذا لم يكن وجه التشابه الوحيد، فكلاهما خضع لأنواع مختلفة من سحر التكلّف والاصطناع، منها الالتزام بالأسلوب المتحذلق الذي يتّفق ومزاج الناس وقتذاك، فعادة ما تأخذ النزعة التكلّفية مكان الصدارة في فنون مجتمع الصفوة الذي غالباً ما يمتدّ به العمر في أوقات الأزمات الروحية.والنزعة التكلّفية تواجه النزعة الطبيعية لكنها لا تباينها مذهباً فنّياً، فهي متكلّفة لأنها ليست طبيعية، وهي على الرغم من تكلّفها لا تعرض في مضمونها لحقائق النفس الذاتية ولا لأحداث العالم الخارجي، ومن ثم كان تكلّفها هو في أسلوب الأداء أكثر منه في اختيار الموضوع المطروق. على هذا النحو استخدم أصحاب النزعة التكلّفية خلال القرن الثامن عشر - كما سنرى - كل مبتكرات عصرهم من طبيعة ساكنة ومناظر طبيعية ومشاهد مستقاة من الحياة اليومية وصور للحيوانات وإضاءة صناعية، مواكبين بدورهم مصوّري المنمنمات الفرنسية - الفلمنكية الذين صوّروا هم الآخرون النبلاء والفلاحين والريف والحيوانات وأدوات الحياة اليومية، كما صوّروا لأوّل مرة المشاهد الليلية. ولا نزاع أيضاً في أن العناصر الواقعية التي انطوى عليها الأسلوب الدولي كانت البشير بواقعية فان إيك. وإذا نظرنا إلى هذا الأسلوب لذاته يتبين لنا أنه النقيض التام للفن الساعي إلى محاكاة المشاهد بطريقة موضوعية، وأن هدفه الحقيقي إسباغ رؤية سحرية على العالم المصوّر، وإن بذل الفنان جهده كي يجعلها تبدو طبيعية باستخدام ما يقع عليه الحس من محسوسات، فكما يمكن للحلم أن يُثير رعبنا، يستطيع أيضاً أن يطلّ بنا على مباهج حياة واقعية سما بها الفنان إلى مستوى مثالي يكسبها كمالاً مغرقاً في الخيال. وفي مثل هذا النوع من الصور كما هو الحال في الأحلام - نشهد النبلاء والأمراء بأكمامهم السابغة المطرّزة والفلاحين بسراويلهم القصيرة الخشنة، كما نشهد الثياب الباذخة المقصّبة والجياد والثيران والآلات الزراعية مصوّرة بدقّة شديدة فتبدو كأنها غريبة عن العالم الواقعي.على أن الطراز الدولي لم يقف عند التصوير وفنون القول والموسيقى فحسب بل جاوزها إلى الحفر على العاج فشكّل تلك التماثيل الصغيرة للشخصيات المقدّسة التي كانت تلقى رواجاً بين المتديّنين، كما أضاف إليها نقوشاً فوق الصناديق والعلب والأمشاط والسروج تشكّل مشاهد غرامية وبطولية. كذلك التفت فنانو النسجيات المرسّمة إلى إعداد نسجيات كبيرة الحجم كي تبعث الدفء في الجدران الرطبة بقلاع الشمال وقصوره، فنرى في هذه اللوحات المنسوجة من الصوف الأمراء يخطون فوق دروب مغطّاة بالزهور، كما نشهد تجسيداً للأساطير الشائعة وقصص الحب الذائعة وقتذاك. ومن بين الصيغ الزخرفية التي زيّنت بعض هذه النسجيات "صيغة الزهرات الألف" Millefiori التي تنتثر وتشيع في أرجاء الخلفيات متألّقة بنورها المختلف الألوان، وكان الأوربيون قد اقتبسوها عن الشرق الأدنى بعد عودتهم من الحروب الصليبية، وكذا ظهرت فوق هذه النسجيات صورة "الحسناء" إلى جوار اليونيكورن Unicorn [الليكورن] أو وحيد القرن، وهو حيوان أسطوري غاية في الجمال والرشاقة جسمه جسم فرس أنثى وفي منتصف جبينه قرن. وكان لهذا الحيوان الأسطوري قوة يُطهّر بها كل ما يمسّه ولا يقوى على الإمساك به إلا عذراء، ومن ثم اتخذ رمزاً للعفّة والطهارة ولبتولة السيّدة مريم. (لوحة 107).هكذا كانت تلك المنمنمات التي ابتدعها بول لمبورج وأخواه وكذا بعض لوحات المصوّر بيزانللو هي ذورة النتاج الفني الإقطاعي القوطي الذي جمع بين نهجي الشعبين اللاتيني والجرماني، وبقيت جميعها إلى اليوم لها سحرها الذي لا ينقطع، بصفائها الذي يحاكي صفاء الجواهر، وبترقيناتها المذهّبة، وبما بين خطوطها من انسجام وتوافق، وبطبيعتها الحالمة الوادعة. غير أن هذه الومضة الفنية كانت النهاية للإبداع الفنّي للحضارة القوطية جمعاء قبل أن تأتي عليها حضارة عصر النهضة، ومع هذا ظلّت تلك التصاوير تشير إلى حضارة عصر ولّى جاءت في إثرها حضارة أخرى.وما كاد القرن الخامس عشر يهلّ حتى دخل الفن القوطي مرحلته الأخيرة، وكان - كما هي العادة - أن صحب اضمحلال الطراز القوطي مغالاة في استخدام أكثر أشكاله تطرّفاً وفي أواخر هذا العصر لم تعد فرنسا محطّ الفن القوطي، بعد انفلات حبل الالتزام الذي كان يستملي من العقل والمنطق شيئاً فشيئاً أمام قوى الحياة الكامنة فإذا هي تنطلق من عقالها وقد كان من مظاهرها الإسراف في الزخارف النباتية دون قيد، كما اندفعت النزعات القومية على هواها.ومع مرور الأيّام انطلقت عقلانية اللاهوت السكولائية من صرامة نمطها نحو الوجدانية الدافئة، فأخذ القديس برنار شأنه شأن القديس فرنسيس الأسيزي يرشد الناس إلى أن التقرّب إلى الله يكون عبر الوجدان لا العقل، وهو ما أوحى إلى الفن بأن ينزل إلى حياة الناس وواقعهم لا يستملي مما يوحي به العقل ولكن يستملي مما تقع عليه العين، فإذا هو ينطلق انطلاقة واسعة في تصوير ما هو محيط به من الخلق على ما هو عليه في واقعيته وماديته. فعلى حين كانت التصاوير مع القرن الثالث عشر تتحرّج على سبيل المثال من الجمع بين عاشقين فتصوّر أحدهما في طرف وثانيهما في الطرف الآخر من الصورة وهما يتناجيان على البُعد (لوحة 108 أ، ب، ج، د)، نرى مجالس العشق في القرن الرابع عشر وقد جمعت بين العاشقين والمعشوقات في تدان وتلاصق مع مسحة من الاستحياء التي كانت باقية من منهج العقلانية. وإذا طالعنا صور القرن الخامس عشر نرى فيها غلبة الحسّية والواقعية على العقلانية غلبة أشدّ وأعمّ، فإذا نحن نرى العاشقين والعاشقات وقد جمعت بينهم الألفة الوثيقة فلا استحياء ولا حياء. ثم انصرمت حقبة فإذا الفنانون بعدها يصوّرون العشاق وسط الخمائل علانية لا خفية. وفي الوقت نفسه جعل مصورو الأراضي الواطئة من الحب العذري حبّاً مادّياً فإذا هُم يَجمعون بين كهل غني وفتاة مراهقة طمعاً في المال لا استجابة للحب، فنرى الفنان الهولندي بيتروس كريستوس Petrus Christus (1410 - 1472) يبرز المادية بأقصى مقوّماتها في لوحته المعروفة باسم "القديس إيجيليوس وهو يزن خاتمي زواج لعروسين" التي رسمها عام 1449 بتكليف من نقابة الصيّاغ والمحفوظة بمتحف المتروبوليتان بنيويورك (لوحة 109). وليست لهذه الصورة ما يشابهها في الفن تأثراً بالتجارة والاهتمام بالقيمة المادية للأشياء مما أفضى بالفنانين إلى أن يعنوا بالتصاوير المادية، فإذا النظر لا ينفر من هذه الصور ومثيلاتها.هكذا كان عصر النهضة إذن ردّ فعل للعصر الوسيط، وفي الحق إنه لم يكن ثمّة فاصل بينهما بل كان هذا أقرب ما يكون إلى التحوّل والانتقال. ومن هنا كان من الاستحالة بمكان أن نحدّد لهذا التحول وذلك الانتقال تاريخاً بعينه، فلقد كان عصر النهضة يختلف باختلاف بدايته من إقليم إلى آخر، فقد يكون بدأ في مدينة على حين كانت جارتها من المدن الأخرى غارقة في العصر الوسيط.وقد كان النموذج الذي قدّمه فنّ النحت الفرنسي هو المؤثّر أكثر في المثّالين الإيطاليين سواء في ذلك مثّالو إقليم لومبارديا في القرن الثالث عشر أو مثالو بييزا في القرن الرابع عشر الذين كانوا الروّاد الأوائل لفن النحت في عصر النهضة. ووضعاً للأمور في نصابها نستطيع القول بأن إبداع الأشكال المستوحاة من العالم الواقعي كان أولاً من ابتداع الفنانيين القوطيين، وكان العبء الذي حملته النهضة الإيطالية هو الامتداد بهذا الاتجاه إلى غايته، لانتهاجها فن العصر الكلاسيكي أو بمعنى آخر لرجوعها إلى المصادر الأساسية الحقة لفن النحت. ولقد كان لفن النحت في العصور الوسطى تأثيره العظيم على فن التصوير في القرن الخامس عشر إذ منحه الإحساس بالكتلة، كما أضاف الاهتداء إلى تقنية التصوير بالزيت في منتصف القرن نفسه صلة أخرى بين التصوير والنحت، إذ عن طريق المغالاة في المحاكاة في فن التصوير غدت الأشكال الصلبة والأجسام الآدمية وكأنها محفورة في الحجر الصلد أو المعدن المسبوك، وهذا لما يملكه فن التصوير من القدرة على الإيهام والخداع البصري، فذاع هذا الأسلوب الذي أخذ صفته النحتية من تجسيمه في مساحات رحبة، وكذا من قيمته اللمسية في كافة أنحاء أوروبا، على نحو ما نشهد في أعمال الفنان البرتغالي نونيو جونسالفيس Nuno Goncalves (لوحة 110).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق